الخبرة القضائية *
في أوت 1996 وبأمريكا، قام كل من داريل و ويليام بسرقة رجل وقتله، وشهد ويليام أنّ داريل هو الذي قام بالضغط علي الزناد، وقد حكم علي داريل بالإعدام. وقد أجري عالم النفس تقييمًا لهذا الأخير وبعد قياس مستوي ذكائه تأكد أنّه يعاني من تخلف عقلي، وعند استئناف الحكم، قبلت المحكمة العليا هذا الاستئناف، وحكمت المحكمة بأنّ إعدام شخص متخلفًا عقليًا سيكون حكم غير عادل وقاسي.
توضح هذه القضية الدور الخطير الذّي يمكن أن يؤديه علماء النفس من خلال تقييمهم للمدعي عليه، لكنها تفيد أيضًا في توضيح التحديات الأخلاقية والمهنية التي يواجهها أي عالم نفس يدلي بشهادته في المحكمة، وتقدّم شهادة الخبير لمساعدة المحكمة في اتخاذ قرارها، سواء وافق الخبير علي هذا القرار أم لا.
تعريف الخبرة القضائية:
تعرف بأنها إجراء للتحقيق يعهد به القاضي الى شخص مختص ينعت بالخبير ليقوم بمهمة محددة تتعلق بواقعة او وقائع مادية يستلزم بحثها أو تقديرها. أو على العموم إبداء رأي يتعلق بها.
تعتبر الخبرة القضائية وسيلة من وسائل الإثبات وإجراء من إجراءات التحقيق التي يأمر بها القاضي للفصل في مسالة من المسائل ذات طابع فني خاص، ليس بمقدوره الإلمام بها لكونها مسالة تقنية فنية: كالمحاسبة والهندسة والطب. لذلك يحتاج القاضي إلى من ينوره ويساعده في فهم هذه المسائل.
وهل المهمة الموكلة من طرف القاضي إلى شخص أو عدة أشخاص أصحاب اختصاص أو مهارة أو تجربة في مهنة ما أو فن او صنعة أو علم لتحصل منهم على معلومات أو أراء أو دلائل إثبات.
من هو الخبير؟
الخبير في الأساس هو شخص يمتلك معرفة أو خبرة متخصصة غير متاحة بدونه للمحكمة. والخبراء شهود مثلهم مثل أي شخص آخر يمثل أمام المحكمة ويدلي بشهادته. وعليهم أن يؤدوا القسم ويمتثلوا لإجراءات المحكمة ولكن وضعهم باعتبارهم"خبراء" يسمح لهم بتجاوز بيان الوقائع كما يعرفونها.
فالشهود الآخرون علي الوقائع – مثل شهود العيان أو الشهود علي حسن السيرة والسلوك لا يسمح لهم إلا بإطلاع المحكمة علي ما يعرفونه يقينًا وحسب. ولكن يسمح للخبراء بالارتقاء مرحلة إضافية وتقديم تفسير الوقائع كما يرونها، بمعني آخر تقديم رأي ويمكن أن يمنح هذا المركز المتميز الخبير سلطة أكبر إلي حدٍّ ما من شخص رأى ما حدث. ومع ذلك يمكن أن يكون الأمر أكثر ذاتية، لأنّه يقتضي استعمال الحكمة أو البصيرة، ولهذا ثمة قيود مفروضة علي من يقبل بوصفه "خبيرا "، وعلي أنواع الآراء التي يمكن تقديمها.
لا يستطيع الخبراء الإدلاء بآرائهم في أي جانب يتعلق بإجراءات المحكمة إذ يجب أن يكون الرأي في إطار مجال تخصصهم، وهذا أيضًا تحدده قيود قانونية، وقد تتخذ إجراءات ضد أي خبير يحاول التعدي علي سلطة القاضي و هيئة المحلفين.
ثمة جانب آخر من الإجراءات القانونية يؤثر علي شهادة عالم النفس التي يمكن الإدلاء بها، وهو الحاجة إلى تجنّب ما يطلق عليه "المعلومات المتحاملة" وهي المعلومات المسبقة عن المدّعي عليه أو ما يعرف "بالسوابق العدلية" .
مثال: اتهم رجل بالاغتصاب العنيف لامرأة وقتلها في منزلها، وأدلي دفاع المتهم بأنّه مارس الجنس مع الضحية بموافقتها ثمّ غادر المنزل، وأنّه لا بدّ أنّ لِصًّا آخر أقتحم المكان فيما بعد ونفذ جريمة القتل كجزء من السطو. ولتدعيم قضيته طلب شهادة من عالم النفس بأنّ مثل هذا الاعتداء العنيف لا يتناسب إطلاقًا مع شخصيته. وقد تمكن عالم النفس من كتابة تقرير أنّ الرجل لم يبدى أي تخيّلات أو غيرها من سمات الشخصية التي تتوافق مع هذه العدوانية. وفي لقائه مع عالم النفس أكتشف أن خلفيته الإجرامية تشمل سوي السرقة والاحتيال ولم يكن له تاريخ من العنف علي الإطلاق، وبالتالي استطاع عالم النفس بذلك تكوين نموذج متسق عن خلفية المدّعي عليه يدعم دعواه بأنّه صاحب شخصية غير عنيفة.
ومع ذلك لم تسمح المحكمة بهذه الشهادة، حيث إذا علمت هيئة المحلفين انّ المدعي عليه مارس الجنس الغير شرعي وارتكب أي نوع من أنواع الجرائم في الماضي فهذا سيشوه رؤيتهم له وسيتحاملون عليه.
إذن الدور الذي يؤديه عالم النفس الجنائي في المحكمة هو تقديم الإرشادات التي ستساعد هيئة المحلفين في الوصول إلى قراراتهم هم. وفي حالة محاكم الأسرة والمواقف القانونية الأخرى التي لا يصدر فيها الأحكام إلاّ المختصون، يسمح للخبير بالإدلاء بآرائه المستندة مباشرة إلى خبرته الخاصة.
توجد ملابسات لن يخضع فيها عالم النفس الجنائي لقيود قانونية، فقد يلتمس المحامون النصح والإرشاد من علماء النفس لمساعدتهم في إعداد قضية أو إلقاء الضوء علي المدّعي عليه أو مسائل الشهادة، أو حتي الطريقة المناسبة لاستجواب شاهد الطرف الأخر.