اولا: المسألة الثقافية في برامج الاحزاب الوطنية:
واجهت الحركة الوطنية تحديات كثيرة للحفاظ على اللغة العربية والدين الإسلامي والتراث الوطني في ظل سياسات القمع والتهميش الاستعماري. مثال إغلاق المدارس العربية الحرة، ومحاربة التعليم الديني، وتشويه التاريخ الوطني من خلال مناهج التعليم الاستعمارية ، عن طريق فهم الأهمية المركزية للمسألة الثقافية في بناء الدولة الوطنية من خلال إدراك الدور الجوهري للثقافة في تشكيل الوعي الجماعي، وتعزيز الوحدة، وتحديد معالم الهوية الوطنية.
مما دفع بالأحزاب الوطنية ومواثيق الثورة لتناول مكونات الثقافية للهوية الجزائرية من خلال استيعاب الرؤى والأهداف الثقافية التي تبنتها الحركة الوطنية والثورة التحريرية للحفاظ على الأصالة ومواجهة الاستعمار الثقافي، وقد واجهت الحركة الوطنية والثورة التحريرية صعوبات ومعضلات التي اعترضت سبيل الحفاظ على الهوية وترقيتها، والآمال والطموحات المعلقة على الاستقلال الثقافي.
كما كان لبروز النخب الوطنية دور في مقاومة الاستعمار الثقافي من خلال الكتابة، والتعليم، وتأسيس الجمعيات التي تهدف إلى الحفاظ على اللغة العربية والدين الإسلامي والتاريخ الوطني، مثال: جهود جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس في نشر التعليم باللغة العربية، ومحاربة الخرافات، وإحياء الوعي بالتراث الإسلامي والعربي للجزائر.
كانت المطالب الثقافية جزءًا لا يتجزأ من برنامج الأحزاب الوطنية المبكرة، حيث أكدت على ضرورة استعادة اللغة العربية ومكانتها، والحفاظ على القيم الإسلامية، والاعتزاز بالتاريخ الوطني. مثال: شعار حزب الشعب الجزائري "الجزائر أمة مستقلة ذات سيادة" كان يحمل في طياته بعدًا ثقافيًا عميقًا، يؤكد على التمايز الحضاري للجزائر وضرورة استعادة مقوماتها.
نجم شمال إفريقيا (ENA) وحزب الشعب الجزائري (PPA): يعتبر حزب الشعب الجزائري الوريث المباشر لنجم شمال إفريقيا، وقد رفع شعارات ومطالب واضحة تتعلق بالهوية الثقافية الجزائرية. من أبرز هذه المطالب، احترام اللغة العربية التأكيد على ضرورة الاعتراف باللغة العربية كلغة وطنية رسمية للجزائر، ووجوب استخدامها في الإدارة والتعليم والقضاء، الحفاظ على الدين الإسلامي التشديد على أهمية الدين الإسلامي كمكون أساسي للهوية الجزائرية وضرورة حماية قيمه ومبادئه، إلغاء القوانين الاستثنائية والمطالبة بإلغاء قوانين الأهالي وكل القوانين التي تميز ضد الجزائريين وتحط من شأن ثقافتهم، ضمان حرية التعليم، و الدعوة إلى توفير تعليم حر وعصري للجزائريين مع الحفاظ على تعليم اللغة العربية والتاريخ الوطني.
حركة الانتصار للحريات الديمقراطية: تأسست كواجهة قانونية لحزب الشعب الجزائري بعد حظره، واستمرت في تبني المطالب الثقافية نفسها مع التركيز على الحقوق الديمقراطية والحريات الأساسية التي تضمن التعبير عن الهوية الثقافية.
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين: على الرغم من أنها لم تكن حزبًا سياسيًا بالمعنى الضيق، إلا أنها كانت قوة ثقافية مؤثرة جدًا وتبنت مطالب واضحة تهدف إلى: الحفاظ على اللغة العربية ونشرها، الدفاع عن الدين الإسلامي وتنقيتها، إحياء الثقافة العربية الإسلامية والتاريخ الوطني.
باختصار، يمكن القول أن أحزابًا سياسية أو حركات اجتماعية مثل جمعية العلماء المسلمين، أدركت الأهمية الحاسمة للمسألة الثقافية وجعلتها جزءًا أساسيًا من مطالبها وبرامجها في مواجهة الاستعمار مما قوة ثقافية واجتماعية مؤثرة للغاية.
تبنت الجمعية مطالب ثقافية واضحة وهدفت إلى الحفاظ على اللغة العربية باعتبارها لغة الوطن والهوية، والدفاع عن الدين الإسلامي ومحاربة البدع والخرافات وتعزيز التعليم الإسلامي الصحيح، وإحياء الثقافة العربية ونشرها من خلال إنشاء المدارس الحرة والمساجد والنوادي الثقافية، مع المحافظة على الشخصية الجزائرية بمقوماتها الحضارية والدينية والتاريخية في وجه سياسات التغريب الاستعماري.
غالبية الأحزاب الوطنية الجزائرية، بدرجات متفاوتة، أدركت الأهمية المركزية للمسألة الثقافية في تحقيق الاستقلال وبناء الدولة الوطنية، وجعلت من الحفاظ على الهوية الثقافية واستعادتها جزءًا أساسيًا من برامجها ومطالبها، وكانت المسألة الثقافية في صلب برنامج الأحزاب الوطنية ومواثيق الثورة الجزائرية، فمن الدفاع عن اللغة والهوية إلى استغلال الثقافة في التعبئة، أدركت الحركة الوطنية أهمية هذا البعد في مقاومة الاستعمار وبناء الدولة. ورغم التحديات المعاصرة، تبقى هذه الرؤى الثقافية مصدر إلهام في الحفاظ على هوية الجزائر وتعزيزها.
ثانيا: المسألة الثقافية في مواثيق الثورة الجزائرية:
- "بيان أول نوفمبر 1954": على الرغم من تركيز البيان الأساسي على التحرر السياسي، إلا أنه تضمن إشارات واضحة إلى الهوية الجزائرية وضرورة احترامها، مما يمهد الطريق للاهتمام اللاحق بالمسألة الثقافية. مثال: التأكيد على "الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة" يستند إلى تصور لهوية وطنية جامعة، تتجاوز الانتماءات الضيق، وتحقيق هدف استعادة الكرامة والهوية المسلوبة، وإعادة بناء الذات الوطنية المستقلة، مثال: إنشاء المؤسسات الثقافية السرية خلال الثورة، مثل الفرق الفنية والإعلامية، التي ساهمت في نشر الوعي الوطني والحفاظ على الروح المعنوية، وإبراز دور الثقافة في تعبئة الشعب وتوحيده حول أهداف الثورة، والدعوة الى وحدة شمال افريقيا ضمن الانتماء المغاربي العربي الاسلامي.
-"ميثاق الصومام 1956" وتأكيده على الهوية الجزائرية المتمايزة: يعتبر ميثاق الصومام وثيقة مرجعية هامة، حيث أكد بوضوح على المكونات الأساسية للهوية الجزائرية، وهي الإسلام، والعروبة، والأمازيغية، مع التأكيد على الوحدة الوطنية في إطار هذه التعددية. مثال: نص الميثاق على ضرورة "تطهير الثقافة الوطنية من الشوائب الاستعمارية" و"تطوير ثقافة وطنية أصيلة ومنفتحة".
-برنامج طرابلس: جوان1962: تضمن معالم قيام الدولة الجزائرية الديقراطية الشعبية المستقلة، وقد تضمن البرنامج الجانب الثقافي حيث اشار الى ضرورة التحرر من خرافات الفكر والاساطير، وانشاء ثقافة جزائرية جديدة وطنية ثورية وعملية، والمساهمة في تعزيز الوعي الثقافي للجماهير عن طريق تطوير التقنيات والوسائل، وتشجيع روح البحث بتطوير اللغة العربية واستعمالها الميداني، وضرورة استعادة الثقافة الوطنية والتعريب التدريجي للتعليم واجباريته، مع صياغة برامج على أسس علمية، والدعوى الى المحافظة على التراث الوطني والثقافة الشعبية.
ربطت الثورة التحريرية بين التحرر السياسي والتحرر الثقافي، ولم تقتصر الثورة على الجانب العسكري والسياسي، بل كانت معركة شاملة لعبت الأدوات الثقافية فيها مجالات عدة من شعر، وأغاني، ومسرحيات، ونشر الوعي عبر وسائل الإعلام السرية، دورًا حاسمًا في حشد الدعم الشعبي للثورة وتوحيد الجزائريين حول هدف الاستقلال. مثال: أغاني مثل "من جبالنا طلع صوت الأحرار" و "يا دزاير يا بلادي" التي كانت تلهب حماس الجماهير وتعزز الشعور بالانتماء الوطني.