III- الأسباب الاجتماعية: إن للبيئة الخارجية المحيطة تأثيرا في سلوك الموظفين، فالمجتمع المتخلف و علاقات أفراده السلبية و عاداتهم و تقاليدهم المتوارثة تفرض نفسها على المنظمات، كما أن للتركيبة الاجتماعية و للتنشئة الأسرية و لأخلاقهم و قيمهم الفطرية و الدينية علاقة وثيقة بالحصانة التي يتمتع بها البعض ضد الفساد و ممارساته
1- اختلال القيم الاجتماعية:
إن فهم مكونات ثقافة كل مجتمع باعتبارها "مجمل الرؤى للحياة و أساليب التعامل اليومي، تشتمل على عدة مكونات من بينها القيم و الرموز و الأخلاق و الأعراف و المهارات التي يستعملها الشعب في تعامله مع بيئته الاجتماعية و الطبيعية، و هي بلغة عبد الرحمان ابن خلدون "آداب الناس في معاملاتهم في أمور الدنيا" و دراسة هذه المكونات و رصد حالتها و درجة تماسك القيم كفِيلة بتفسير الظواهر المَرضية التي تصيب المجتمع مثل الفساد. و إذا كان العلماء قد برروا ظاهرة الفساد بتدهور القيم الاجتماعية، فإن البعد الأخلاقي يعد ضروريا لفهم نمو الظاهرة ما دامت تلك القيم تعد المقياس الرئيسي للسلوك الفردي و الجماعي. فالفساد يظهر في صور انحراف القيم و يبرز اختلالها من خلال وضعية مصادرها أو سيطرة قيم أخرى
فضلا عن الاختلال في النسق القيمي بعكس المشكلات المرتبطة بضعف أو انعدام القواعد الأخلاقية العامة التي تنتج عن تضارب القيم الاجتماعية بحيث لا يوجد تصور واضح و محدد حول ما هو صواب و ما هو خطأ.
إن تدني الوازع الأخلاقي لدى الأفراد ساعد على انتشار الفساد و على الرغم من صحة الارتباط النظري بين الفساد و تدهور القيم الأخلاقية إلا أن مقاومة الأفراد لإغراء الفساد، يمكن أن يضعف بكل تأكيد في حال غياب الرقابة و ضعف الجزاءات و ضغط الحاجات المعيشية.
2- التمييز العنصري: لا تزال هناك بعض المجتمعات المتقدمة و النامية التي يمارس فيها التمييز العنصري على أساس اللون أو الجنس أو الدين أو المنشأ الجغرافي للبشر، الأمر الذي يؤدي إلى تردي الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية للفئات التي تعاني من هذا التمييز و سوء المعاملة، فيتولد لديها الرغبة في الانتقام من المجتمع بصفة عامة، و من الأثرياء و السلطة بصفة خاصة، و من ثم تتجه إلى ارتكاب جرائم الفساد للحصول على مصدر دخل يساعدها على الحصول احتياجاتها المعيشية. و يضاف إلى ماسبق أن التمييز العنصري يمكن أن يكون مدعاة للحصول إلى الثروة و الثراء السريع
3- التقليد و المحاكاة: عندما توجد فجوة بين الأغنياء و الفقراء قي المجتمع تتجه هذه الفجوة إلى الاتساع في ظل ثورة المعلومات و الرغبة في التقليد وا لمحاكاة و ازدياد أحلام الثراء السريع في ظل ضعف الوازع الديني و الأخلاقي و غياب مفهوم المسائلة و المسؤولية العامة، و يظهر أثر التقليد و المحاكاة في ارتكاب جرائم الفساد من ناحيتين، الأولى من خلال محاولة طبقة الموظفين محاكاة طبقة الأغنياء في أسلوب معيشتهم، أي أن الموظفين الذين تبهرهم الأنماط المعيشية و الاستهلاكية الترفيهية للطبقات
4- تزواج السلطة و المال: حيث تتداخل العلاقات الاجتماعية مع العلاقات المالية أو الاقتصادية فتحدث الوساطة و المحسوبية خاصة إذا ما ترتب على ذلك تربُح ذوي السلطة بطريق مباشر أو غير مباشر من هذه السلطة الوظيفية أو السياسية. و في مثل هذه الحالات تصبح الصداقة أو صلة الرقابة هي المدخل الطبيعي للحصول على منافع مادية بدون وجه حق خاصة عندما تكون هناك عائلات حاكمة تمتلك شركات متعددة أو تكون على صله بأفراد أو شركات تبحث عن الأرباح الكبيرة و الصفقات الضخمة و من ثم استغلال أصحاب القرار مناصبهم في التربح و الحصول على منافع مالية و هدايا عينية أو رشاوي باهظة التكلفة للحصول على موافقات لتمرير أعمال غير مطابقة للمواصفات أو صفقات غير مشروعة أو مخالفة للقوانين و اللوائح المالية.
5- شيوع ثقافة الفساد: الفساد تحول إلى قاعدة عمل يومية في الإدارات الحكومية و منظمات الأعمال فضلا عن التغاضي عن كشف الفساد و ملاحقته أو تنفيذ الأحكام و العقوبات على الفاسدين الأمر الذي يؤدي إلى استمرار حدوث الفساد و صعوبة مكافحته ليصبح بمرور الوقت جزءا من الثقافة المجتمعية في الدول الفقيرة خاصة تلك التي ترحب بالأموال غير المشروعة أو الهاربة من ملاحقة القوانين لها في الدول الاخرى فتصبح في مأمن و ترفض سلطات الدول إعادة الأموال أو تسليم المجرمين إلى الدول التي تطلبهم لتنفيذ العقوبات الصادرة بحقهم عن جرائم ارتكبوها في بلادهم.
V- الأسباب الإدارية:
ترتبط بالأعمال و الوظائف الإدارية المختلفة، سواء كانت في القطاع العام أو الخاص. فكل سلوك ينتهكه الشخص مخالفا الاجراءات البيروقراطية شرعا أو عرفا و نظاما فإنه يعتبر فسادا إداريا.
1- ثقافة المؤسسة الإدارية:
إن افتقار المؤسسة الإدارية إلى معيار أداء محدد و واضح و ثقافة تنظيمية قوية تنظم سير عمل الموظفين و رؤساء أقسام المؤسسة الإدارية، يجعل هذه المؤسسة عرضة لممارسات سياسية داخلية و علاقات خارجية غير نزيهة تستبدل فيها الأهداف بطرق شتى نظرا لغموضها أولا، و تحويل الانتباه إلى الموارد المستخدمة دون التركيز على النتائج المستهدفة ثانيا. و هذا الأمر يترك حرية للمدراء و العاملين للقيام بمختلف ممارسات الفساد لتحقيق أهداف شخصية مغلفة في إطار عمل هذه المؤسسات. و بالتالي فإن غياب قواعد العمل و الاجراءات المكتوبة و مدونات السلوك للموظفين في قطاعات العمل العام و الخاص يفتح المجال لممارسة الفساد.
2- ضعف النظام الرقابي: إن المتابعة الرقابية و القانونية على الموظفين تعد وظيفة من وظائف الإدارة العامة و الخاصة على حد سواء لضمان نجاح أهداف العمل الإداري و عدم انحراف العاملين. في حين أن غياب هذه الرقابة القانونية يولد الاضطراب في اجراءات العمل الإداري، و يفسح المجال أمام الموظفين في الخوض في ظاهرة الفساد، و التحايل على القانون في أكثر الأحيان، و يتيح لذوي النوايا السيئة فرض ارتكاب جرائم عديد منها الرشوة و الاختلاس و السرقة والتزوير. و هذا السبب يكشف عن حقيقة أساسية و هي أن أي جريمة ترتكب تخضع لدى مرتكبيها للتقييم فيكون الترجيح لصالح ارتكابها كلما زادت فرص عدم كشفها، و بهذا يكون فقدان الرقابة أو ضعفها هو أحد الأسباب التي تحفز على ارتكاب الفساد لأنه يزيد من أسباب القناعة لدى الموظفين المنحرفين بعدم كشفها.
3- الاجراءات الإدارية الروتينية: تعد هذه الاجراءات من الأسباب الرئيسية لانتشار الفساد لأنها تهيأ الفرصة للموظف المنحرف لكي يبتز المواطن، فيتقاضى منه الرشوة مقابل التخفيف من معاناته و تبسيط الاجراءات عليه، و في هذه الحالة يجد المواطن نفسه مجبرا على دفع الرشوة إلى ذلك الموظف لأجل الحصول على الخدمة التي يسعى للحصول عليها، و مع أنه من حق ذلك المواطن - من الناحية القانونية – الحصول على تلك الخدمة دون دفع الرشوة، إلا أن الاجراءات الإدارية الروتينية الطويلة و المعقدة و العراقيل التي تواجهه من الموظف في حالة عدم دفع الرشوة تجعله يقتنع بأنه من دونها لا أمل له في الحصول على الخدمة المطلوبة. و هذا ما يسمى حسب Gunnar Myrdal 1968 "المال السريع" حيث يقول بأن المسؤولين الفاسدين قد يتسببون بدلا من التسريع في المعاملات إلى التأخيرات الإدارية من أجل جذب المزيد من الرشاوي (Bardhan, 1997).
4- انعدام الشفافية و المسائلة: الشفافية و المسائلة عدوان أساسيان للفساد و غيابهما يشكل تربة خصبة لانتشاره. إن انعدام شفافية القوانين و الاجراءات و غياب الرقابة الفاعلة يشجع الفاسدين، و عندما يفلت هؤلاء من العقاب و حكم القانون يستشري الفساد في الجهاز الحكومي. و هذا بدوره يضعف بشكل واضح من كفاءة وفاعلية الحكومة، الذي بدوره يؤدي إلى تدني الخدمات المقدمة للمواطنين من ناحية و تردد مجتمع المانحين في مساعدة الدولة، حيث أن الاستفادة القصوى من المنح تتطلب درجة معقولة من حكم القانون و الشفافية و المسائلة في الإدارة الحكومية.
5- الصلاحيات و الثقة الواسعة: إن احساس أي موظف بأنه فوق المسائلة القانونية نتيجة للصلاحيات الواسعة و السلطات الممنوحة له في الوظيفة، يمكن أن يؤدي إلى تشجيع بعض الموظفين على إساءة استخدام هذه الصلاحيات لتحقيق منافع شخصية من خلال ارتكابهم لبعض الجرائم المخلة بالوظيفة العامة مثل الرشوة و الاختلاس، و لا سيما أن هذه الصلاحيات تمنع الأجهزة الرقابية و الإدارية من ممارسة أعمالها النمطية على الوجه المطلوب و عدم وضوحها و تمركزها في قمة الهرم و القيادة الفردية لهذه القمة. و الثقة العالية تدفع بالبعض إلى الاعتقاد أن الحصانة المكتسبة تمنع الكشف عن جرائمهم، بل الاعتقاد بضمان الحصول على بعض أشكال المساعدة و التعاطف حتى عند كشف عن أعمالهم الفاسدة.
6- اشكالية قياس الأداء: الملاحظ على أغلب المؤسسات الحكومية هو عدم وجود معايير محددة و دقيقة لقياس أداء العمل كميا و في فترات زمنية معروفة، خصوصا عندما تكون المؤسسة الإدارية كبيرة الحجم و مرتبطة بوجود بطالة مقنعة ، أي وجود أعداد كبيرة من العاملين لا يمارسون أعمال فعلية في المنظمة و باتساع مساحة الخدمات التي تقدمها الدولة لمواطنيها، و نقص كفاءة الجهاز الذي يقوم بتقديمها، و قصور الأنظمة و الأدوات التي تسهل هذا التقديم، تزداد القابلية و الامكانية لإفراز العديد من مظاهر الفساد و انتشارها.
VI : أسباب قانونية: يمكن تلخيص أهم الأسباب القانونية فيمايلي:
1- سوء صياغة القوانين و اللوائح المنظمة و ذلك نتيجة لغموض مواد القوانين أو تضاربها في بعض الأحيان، الأمر الذي يعطي فرصة للتهرب من تنفيذ القانون أو الذهاب إلى تفسيره بطريقته الخاصة التي قد تتعارض مع مصالح المواطنين.
2- التغيرات القانونية و التي تضفي الشرعية على الفساد مما يتيح الفرصة لذوي النفوذ باستغلالها لمصالحهم الشخصية على حساب الآخرين و تعد الثغرات القانونية التي تحويها الدساتير و قواعد الأنظمة منفذا لإحلال الفساد محل التعامل النزيه، و هذا يرتبط بشكل وثيق بضعف دور الرقابة على كبار المسؤولين و المدراء العموميين و الموظفين في الدول.
3- التغير المستمر للقوانين ليس بهدف تعديلها لخدمة الناس و المجتمع بشكل منهجي و مدروس و منظم و لكنه لغرض خدمة مصالح فئات متنفذة معينة و شخصيات سياسية كبيرة و تشكل هذه القوانين بحد ذاتها فسادا مفضوحا.
و الجدول التالي هو محاولة لتلخيص بعض الأسباب الرئيسية و لا يلم بها كلها:
جدول رقم (01): الأسباب الرئيسية للفساد
|
العوامل |
الأمثلة الدالة |
|
النفسية – الفردية |
الحاجة – الربح – الإكراه – الطمع – القيم الثقافية – القيم الأخلاقية – التقليد ...إلخ. |
|
السياسية |
ضعف الآليات الديمقراطية – ضعف آليا الرقابة – تحكم النخب – ضعف الحريات المدنية و السياسية – نقص الشفافية – ضعف آليات حقوق الإنسان – سيطرة المتنفيذين على الدولة ...إلخ. |
|
القانونية |
ضعف التشريعات أو ضعف شفافيتها – تعقيد اجراءات التقاضي – القضاء غير العادل – فساد الضابطة العدلية ... إلخ. |
|
البيروقراطية |
تعقد الاجراءات الإدارية – غياب الشفافية في الاجراءات الحكومية – نقص المعرفة بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية – غياب المسائلة الإدارية ...إلخ. |
|
الاقتصادية |
الفقر – البطالة – ضعف الرواتب – التنافس غير المشروع و غير المنضبط – ضعف حوكمة الشركات ...إلخ. |
|
الدولية |
المحاباة السياسية – كسب الولاء – ضعف آليات الرقابة الدولية ...إلخ. |
|
المدنية |
ضعف المجتمع المدني – ضعف الصحافة و وسائل الإعلام – ضعف المهنية و الاحترافية – ضعف الحق في المعرفة و أساليب التحقيق ...إلخ |
|
الثقافية |
تفشي ثقافة الفساد – تمجيد الفساد – تهميش النزيهين ...إلخ. |
المصدر: (توق، 2014)