تعتبر دراسة الحالة من الطرق الشائعة المستخدمة في البحوث الاجتماعية والنفسية،وهي تتناول التفصيلات و الجزئيات الدقيقة المتعلقة بالفرد أو الجماعات.

1-  طبيعة دراسة الحالة:

يشير كل من عبد الله محمد عبد الرحمان و محمد علي بدوي(2002) إلى وجود اختلاف بين الباحثين في مجال البحث الاجتماعي حول طبيعة دراسة الحالة؛ هل هي أداة من أدوات البحث أم أنها طريقة و أسلوب بحث أم أنها منهج من مناهج البحث قائم بذاته مثل المنهج التجريبي أو المنهج الوصفي أو التاريخي،حيث يشير الباحثان إلى أن علماء الاجتماع الفرنسيين يطلقون على دراسة الحالة اسم المنهج المونوغرافي Méthode monographique الذي يعني وصف حالة أو موضوع أو ظاهرة مفردة و دراستها دراسة مفصلة من أجل الكشف عن أبعادها و خصائصها و مميزاتها بهدف الوصول إلى نتائج يمكن تعميمها على الحالات المشابهة لها من حيث الخصائص والصفات.

خلافا لذلك يعتبر علماء الاجتماع في الو.م.أ دراسة الحالة كمنهج من مناهج البحث الاجتماعي مستقل بذاته قائم على أساس جمع البيانات والمعلومات بشكل معمق عن أية وحدة اجتماعية (فرد،أسرة، مؤسسة،نظام اجتماعي، مجتمع...)

في نفس الوقت ينظر مجموعة من الباحثين الآخرين أمثال: شو، هتيني، سيلز إلى دراسة الحالة على أنها لا تتعدى أن تكون أداة لجمع البيانات و لا يمكن اعتبارها طريقة من طرق البحث أو منهج من مناهجه.

أما لدى الباحثين العرب فلعل الأمر الذي عزز الاختلاف حول طبيعة دراسة الحالة يعود إلى ترجمة مصطلح Méthode بمعنيين مختلفين؛حيث نجد أن المصطلح ترجم مرة بمعنى منهج و مرة أخرى بمعنى طريقة (بشلاغم،2011،ص88)

2- تعريف دراسة الحالة:

تستخدم دراسة الحالة في علم النفس العيادي كوسيلة للتعرف على التاريخ المرضي للحالات التي يجرى علاجها، وهي تهتم بالوصف المفصل للفرد بغرض محاولة فهم الخصائص المستخلصة من دراسة حالة ما  ومقارنتها مع ما يشابهها من الحالات.

يتناول الباحث في دراسة الحالة حياة الإنسان المريض فيدرسها بالتفصيل منذ الصغر إلى غاية وقت طلب العلاج، وبذلك يقف عند مختلف المحطات التي مر بها المريض و مختلف المواقف التي عاشها.

يمكن للمختص في إطار  دراسة الحالة اللجوء إلى تطبيق الاختبارات و الروائز النفسية حيث تعتبر نتائجها مكملة لدراسة سيرة الفرد و الإلمام بجميع أبعادها.

يقوم المختص في إطار دراسة الحالة بتشجيع المفحوص على الحديث عن محطات  ومراحل تاريخ حياته المختلفة تلقائيا، ولا يصر عليه للحديث على كل شيء،كما يمكن للمختص توسيع دائرة جمع المعطيات عن الحالة إلى البيئة المحيطة به بدأ بالأسرة و الأصدقاء وكل من له علاقة بالحالة،حيث يجري المختص معهم لقاءات خاصة و ذلك بهدف التشخيص الدقيق لوضعية الحالة.

3- أهمية دراسة الحالة:

الفهم العميق للظواهر: تتيح دراسة الحالة للباحث التعمق في دراسة ظاهرة معينة داخل سياقها الواقعي،بدل الاكتفاء بالنتائج السطحية،فهي تساعد على كشف التفاصيل والعلاقات الخفية التي قد لا تظهر في المناهج الأخرى.

دراسة الحالات الفردية بشكل شامل: تمكن الباحث من التركيز على فرد أو حالة واحدة و تحليلها من جميع الجوانب(النفسية،الاجتماعية،التربوية...) وهذا مهم خاصة في الحالات التي تتطلب تشخيصا دقيقا مثل الاضطرابات النفسية أو صعوبات التعلم.

المرونة في جمع البيانات: تتميز دراسة الحالة بامكانية استخدام عدة أدوات مثل الملاحظة،المقابلة، الاختبارات النفسية،الوثائق، وهذا ما يسمح بالحصول على بيانات غنية ومتنوعة تزيد من مصداقية النتائج.

فهم السياق الواقعي: لا تدرس الظاهرة في إطار دراسة الحالة بمعزل عن محيطها، بل يتم ربطها بالبيئة الاجتماعية و الثقافية،مما يجعل النتائج أكثر واقعية وقابلة للتطبيق.

4- عوامل نجاح دراسة الحالة: لكي تنجح دراسة الحالة لابد من الشروط الآتية:

- الدقة في تحري المعلومات وخاصة أنها تجمع عن طريق وسائل متعددة مع مراعاة تكاملها.

- ضرورة التحلي بالتنظيم،والتسلسل في الأفكار،والوضوح وذلك لكثرة المعلومات التي تشملها الحالة.

- تتطلب دراسة الحالة الاعتدال في طرح المعلومات،حيث لا تكون مفصلة تفصيلا مملا،وليست مختصرة تؤدي إلى الخلل في المعلومات،كما ينبغي أن تكون هذه المعلومات متناسبة مع هدف الدراسة.

- تتطلب دراسة الحالة ضرورة القيام بتسجيل كل المعلومات وذلك لكثرتها وخشية نسيان بعضها.(عمار بوحوش،2019،ص138)

5- مخاطر و حدود استخدام دراسة الحالة:

يصاحب استخدام دراسة الحالة عدة مخاطر يمكن إرجاعها للأسباب التالية:

- من ناحية المفحوص: فقد يميل المفحوص إلى قول ما يرضيه و يرضي الباحث أو أن يتخيل المبحوث و يتصور وقوع حوادث لم تقع أصلا أو أن يبالغ في وصفها بطريقة قد تبعدها عن الاقتراب من الحقيقة،كما أن الحالات المدروسة في إطار علم النفس المرضي هي أساسا حالات غير سوية،وهذه الصفة في حد ذاتها تفقدها صلاحية تعميم البيانات المستخلصة منها.

-  من ناحية الباحث: قد يتحيز الباحث و يحاول مساعدة المفحوص على الإدلاء بالبيانات في الاتجاه الذي يرغب فيه،كما أن البيانات و السلوكات الصادرة من المفحوص يتم تسجيلها بأسلوب الباحث ثم يقوم الباحث بتسجيلها وإعادة صياغتها بمنهجية و أسلوب محدد من طرف الباحث،مما قد يجعلها تتحول إلى مجرد وجهة نظر شخصية للباحث.

- صعوبة تعميم نتائج دراسة الحالة:  يصعب تعميم  البيانات المستخلصة من دراسة الحالة نظرا لكونها بيانات مستخلصة من حالات مرضية أو شاذة،وبالتالي لا يمكن القياس عليها أو تعميم ما يستخلص منها من نتائج،بالإضافة إلى احتمالات التحيز من طرف المبحوث كما سبق الإشارة إليه سابقا.

- ضخامة الجهد المبذول: تتطلب طبيعة دراسة الحالة وقتا و جهدا كبيرين، كما أنها تتطلب التعمق في الدراسة،مما يحد من استخدامها في دراسة عدد كبير من الحالات باعتبار أن ذلك يستلزم جهدا و  وقتا و إنفاقا،خاصة إذا أراد الباحث التأكد من صحة العلاقات المتوصل إليها ومقارنتها بحالات أخرى(بشلاغم،2011،ص93)

 


Modifié le: lundi 20 avril 2026, 10:43